أحيانًا لا يعرف الإنسان أن اللحظة التي يعيشها الآن ستصبح خلال فترة قصيرة قصة يتحدث عنها الناس، وهذا ما حدث مع أيمن عقيلات.
كان أيمن بين الحاضرين في مناسبة رسمية، وحين وصل رئيس الديوان الملكي تقدّم بعفوية ليسلّم عليه، إلا أن أحد النواب منعه من الوصول في تلك اللحظة. كان يمكن للمشهد أن ينتهي هنا، وأن تعود المناسبة إلى مسارها الطبيعي، لكن رئيس الديوان الملكي اختار أن يتقدم بنفسه ويسلّم على أيمن، فتحولت لحظة المنع إلى لحظة احترام، وتحولت المصافحة التي لم يكن يتوقع أن تحمل كل هذا الأثر إلى بداية حكاية امتدت إلى ما بعد المناسبة.
لم تستغرق المصافحة سوى ثوانٍ، لكنها لم تبقَ في مكانها. انتقلت الصورة إلى الناس، ومعها بدأ السؤال عن الرجل الذي ظهر في المشهد. خلال وقت قصير، انتقل أيمن من رجل لا يعرفه كثيرون إلى اسم حاضر في حديث الأردنيين. لم يكن قد خطط لذلك، ولم يكن يبحث عن شهرة، ولم يكن يتوقع أن محاولة بسيطة للسلام ستجعل صورته تنتشر بهذا الشكل.
ثم جاءت الخطوة التالية التي جعلت الحكاية تأخذ مسارًا جديدًا؛ استُدعي أيمن إلى الديوان الملكي. وهنا لم تعد القصة مجرد صورة انتشرت على مواقع التواصل، فقد أصبح للرجل الذي ظهر في مشهد عابر حضور في مكان لم يكن يتوقع أن يصل إليه.
ولو عدنا إلى بداية المشهد، سنجد أن كل ما حدث بعد ذلك خرج من لحظة واحدة قصيرة: رجل أراد أن يسلّم، توقف وصوله للحظة، ثم تقدم رئيس الديوان إليه وسلّم عليه. بعد ذلك انتشرت الصورة، وتحدث الناس، وعُرف الاسم، ثم جاء الاستدعاء. سلسلة كاملة من الأحداث بدأت من ثوانٍ قليلة.
وهنا تكمن أهمية القصة.
المشهد لم يبقَ مجرد مصافحة؛ لأنه وضع أمام الناس معنى أكبر يتعلق بعلاقة المسؤول بالمواطن. في المناسبات الرسمية توجد بروتوكولات ومواقع وأدوار، وهذا أمر مفهوم، لكن احترام الإنسان لا يحتاج إلى ترتيب معقد. حين يتقدم المسؤول بنفسه إلى المواطن ويسلّم عليه، فهو يقدم صورة مختلفة عن العلاقة بين الموقع ومن يقف أمامه، صورة تقوم على الاحترام قبل أي اعتبار آخر.
ولهذا لم يتوقف الناس عند أيمن باعتباره شخصًا ظهر في صورة فقط؛ توقفوا عند الطريقة التي جرى بها التعامل معه. مواطن أراد أن يسلّم، مُنع من الوصول للحظة، ثم وجد المسؤول يتقدم إليه بنفسه. هذا التفصيل الصغير هو الذي أعطى المشهد معناه، وهو الذي جعل الصورة تتجاوز حدود المناسبة.
واللافت أن أيمن لم يكن يبحث عن هذا الاهتمام أصلًا. لم يطلب من أحد أن يكتب عنه، ولم يصنع لنفسه حضورًا إعلاميًا، ولم يكن يعرف أن تلك اللحظة ستغير شكل الأيام التالية. الناس هي التي التقطت المشهد، والناس هي التي تداولته، ثم جاءت الأحداث لتكمل الحكاية.
وهنا نصل إلى المعنى الأوسع: نحن لا نعرف قيمة بعض اللحظات لحظة حدوثها. قد يعيش الإنسان فترة طويلة بعيدًا عن الأضواء، ثم تأتي لحظة واحدة تجعله حاضرًا أمام الجميع. وقد يمر بموقف يظنه عابرًا، ثم يكتشف لاحقًا أنه كان بداية لطريق جديد.
أيمن لم يكن يعرف أن محاولته للسلام ستقوده إلى هذه القصة كلها. لم يكن يعرف أن الصورة ستنتشر، وأن الناس ستبحث عن اسمه، وأن الحديث عنه سيكبر، وأن الخطوة التالية ستكون استدعاءه إلى الديوان الملكي.
لهذا لا يمكن النظر إلى المشهد باعتباره مجرد لحظة وانتهت؛ فالمشهد الأول قاد إلى الصورة، والصورة قادت إلى اهتمام الناس، واهتمام الناس سبق استدعاء أيمن إلى الديوان. كل حلقة في هذه الحكاية جاءت امتدادًا لما قبلها، حتى أصبح الموقف الذي استغرق ثوانٍ قليلة قصة يعرفها الكثيرون.
وربما كان يوم أيمن عاديًا في بدايته، لكنه لم ينتهِ كما بدأ.
وهذه واحدة من المفارقات التي تمنحها الحياة للإنسان؛ لا نعرف أي لقاء سيكون بداية، ولا أي موقف سيفتح بابًا، ولا أي لحظة ستغير اتجاه الحكاية. قد نظن أن الطريق توقف عند مشهد صغير، ثم نكتشف أن ذلك المشهد كان أول خطوة في طريق لم نكن نراه.
أيمن أراد أن يسلّم، فتوقف وصوله للحظة، ثم جاءت المصافحة، وانتشرت الصورة، وعرف الناس قصته، ثم وصل إلى الديوان الملكي.
لم تكن المسافة بين البداية والنهاية طويلة في الزمن، لكنها كانت كافية لتغيّر الحكاية كلها.
وأحيانًا، لا تحتاج بداية جديدة إلى أكثر من لحظة واحدة.
