الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة... سيرةُ قائدٍ وبصمةُ وطن

الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة... سيرةُ قائدٍ وبصمةُ وطن

 



بقلم: د. شاكر محمد الطراونة


ليس العظماء أولئك الذين يتقلدون المناصب فحسب، وإنما الذين يجعلون من مناصبهم جسورًا لخدمة الوطن، ويغادرونها وقد تركوا وراءهم أثرًا يزداد رسوخًا مع مرور الأيام. ومن هذا الطراز الرفيع من الرجال، يبرز اسم الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة، رحمه الله، أحد القادة الذين اقترنت سيرتهم بالعطاء الصادق، والانضباط الراسخ، والإخلاص الذي لا يعرف إلا مصلحة الأردن ورفعة قواته المسلحة.


لقد كانت حياته العسكرية رحلةً من البذل المتواصل، بدأت منذ التحاقه بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، حيث تشكلت شخصيته القيادية في ميادين التدريب والعمل، قبل أن تتسع دوائر المسؤولية حتى بلغ أعلى مراتب القيادة العسكرية، رئيسًا لهيئة الأركان المشتركة، بعد مسيرة حفلت بالإنجاز والكفاءة والخبرة.


ولم يكن ينظر إلى القيادة بوصفها سلطةً تُمارس، بل أمانةً تُؤدى، ورسالةً تُحمل، ومسؤوليةً تُصان، ولذلك ظل قريبًا من رجاله، يعرف أن الجيوش تُبنى بالعقيدة قبل العتاد، وبالإنسان قبل السلاح، وبالانتماء قبل الإمكانات.


وفي عهده، واصلت القوات المسلحة الأردنية مسيرة التطوير والتحديث، وتعزيز الجاهزية، والارتقاء بمستوى التدريب، مع الحفاظ على الثوابت التي قام عليها الجيش العربي؛ جيشٌ عنوانه الشرف، ورسالةُ أفراده الدفاع عن الوطن وصون أمنه واستقراره.


ولم يكن اهتمامه مقتصرًا على الجوانب العملياتية فحسب، بل امتد إلى مختلف مؤسسات القوات المسلحة، إدراكًا منه أن المؤسسة العسكرية منظومة متكاملة، تتضافر فيها ميادين التدريب والإدارة والخدمات والإسناد، وفي هذا السياق، حظيت الخدمات الطبية الملكية بعناية مستمرة ضمن مسيرة التطوير الشاملة، بوصفها أحد أعمدة القوة العسكرية والإنسانية، لما تؤديه من دور في رعاية منتسبي القوات المسلحة وأسرهم وخدمة أبناء الوطن.


وكان المستشفى العسكري الأمير علي بن الحسين في الكرك شاهدًا على هذا النهج المؤسسي، إذ واصل أداء رسالته الطبية والعلاجية، مقدمًا خدماته لأبناء محافظة الكرك والمحافظات المجاورة، ومجسدًا الصورة المشرقة للمؤسسة العسكرية التي تجمع بين قوة السلاح ورحمة الإنسان، وبين حماية الحدود وحفظ كرامة المواطن.


لقد أدرك الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة أن الجيش لا يُقاس بعدد جنوده فحسب، وإنما بما يقدمه من أمنٍ وطمأنينة، وما يغرسه في المجتمع من قيم الانضباط والتضحية، وما يبنيه من جسور الثقة بين المؤسسة العسكرية وأبناء الوطن. ولذلك بقي حريصًا على ترسيخ ثقافة الاحتراف العسكري، وصون هيبة الزي العسكري، وتعزيز مكانة الجندي الأردني الذي ظل مثالًا للشجاعة والالتزام في ميادين الواجب داخل الوطن وخارجه.


ولعل من أبرز ما ميّز شخصيته القيادية ذلك التوازن بين الحزم والإنسانية؛ فكان قائدًا يحترم القانون، ويؤمن بالمؤسسات، ويستمع إلى مرؤوسيه، ويغرس فيهم الثقة وروح المسؤولية. وهي خصال صنعت له مكانة رفيعة في نفوس رفاق السلاح، واحترامًا كبيرًا لدى القيادة الهاشمية، وتقديرًا واسعًا في الأوساط العسكرية العربية والدولية.


إن الرجال يرحلون، لكن القيم التي يحملونها لا ترحل، والقيادات الصادقة لا تُقاس بطول بقائها في المناصب، وإنما بعمق الأثر الذي تتركه في مؤسسات الدولة ووجدان الناس. وهكذا بقي اسم الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة حاضرًا في ذاكرة الجيش العربي، رمزًا للقائد الذي جمع بين الحكمة والصلابة، وبين التواضع والعزيمة، وبين الإخلاص للوطن والوفاء للقسم العسكري.


رحم الله الفريق أول الركن خالد جميل الصرايرة، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لوطنه وقواته المسلحة في ميزان حسناته. وسيبقى ذكره الطيب صفحةً مضيئة في سجل القادة الأردنيين، ودليلًا على أن الأوطان تبنى بسواعد المخلصين، وتحفظها عزائم الرجال الذين جعلوا خدمة الأردن رسالة حياة، لا مرحلة وظيفة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم