بقلم دالية حسن
حين تنطلق صافرةُ مباريات كأس العالم لكرة القدم، تتعالى إلى الأفق لغةٌ رياضيّةٌ خاصّة، مشكّلةٌ من رموز الحروف والأرقام والصّور والرّسومات والأفكار والتّعابير والأداءات والانفعالات وكلّ ماله صلة بالبشريّة؛ لذا لا بدَّ من وِقفةٍ تثير بضعة تساؤلاتٍ:
ما هو السرّ الكامن وراء كرة القدم الذي يذيب الحدود السياسية، ويوحّد اختلاف الأجناس البشريّة، ويشعلُ انفعالات الصّغار والكبار معًا بلا تقسيمات للفئات العمريّة؟
لماذا يتجاوزُ المشهد الكرويّ في المباريات الرياضية مدى الرؤية البصرية؛ ليختزل في العقول امتدادًا يحتضنُ أحلامنا، وتاريخنا، وفكرنا، وعاداتنا، وفرحنا، واهتماماتنا؟
هل تعدّ هذه اللعبة مجرّد رياضة حركية بين فريقين يتجاذبان الكرة على مستطيل العشب الأخضر، لمدّةٍ زمنيّةٍ محدودة، تنتهي بالفوز أو الخسارة لكلّ من الطرفين، وما يعقبها من التصفيات التنازليّة لبقية المنتخبات الرياضية وصولًا إلى النهائيّات، ثم إعلان الألقاب التراتبية الثّلاثة الذهبيّة فالفضيّة فالبرونزيّة!
لِمَ نلحظُ مشاركةً وجدانيّةً بين المشجّعين وفرق اللاعبين، ونلمس احترامًا متبادلًا بين اللاعبين أنفسهم، وتناغمًا لونيًا وسمعيًّا وبصريًّا بين حشود الجماهير ونبض الملعب؟ بل إنَّ التعابيرَ الإنسانية تكاد تتناسخ قربًا وابتعادًا وكأنَّها وليدةُ أمٍّ واحدة!
إنّ الإجابة عن التساؤلات السابقة لا تستدعي منَّا عظيمَ التركيز وبعدَ التحليل، فحين نلتفتُ إلى مدرَّجات الستاد الرياضي سنسمعُ على الفور من حشود الجماهير سيمفونيةً تصدحُ بالهتافات الحافزة لأحد الفريقين، مقابلَ إذعانِ الجمهور الآخر له بالسّكون للحظاتٍ مقصودة، يتبعُها تواليًا دورُ هذا الجمهور المقابل بانسيابيَّةٍ متناظرةٍ دون اتّفاقٍ مبرمٍ بينهما؛ لاسيَّما وأنَّ ًالعدد الغفير لا يسمحُ باحتماليَّة عقد الشروط ورسم مدوّنة السّلوك بينهما لمنع أيَّة مشاحنات تحريضيّة. كما لا نجدُ بونًا شاسعًا عن وحدة الحال بين فريقي اللاعبين وجمهورهما؛ فهما يبثّان رسائلَ الشّكر ذاتها، بصورٍ لا تعرفُ الحواجز اللغوية والدينية والعرقيّة واللونيّة؛ فتتناثر القبلات عن بعد حينًا، والتلويحاتُ بالحركات التمثيليّة الأدائيّة المحبّة، وتتطاير القمصان الرياضية تجاه المعجبين، وتتزاحم المذكّرات والقبّعات وأدوات الرياضة بتواقيع اللاعبين، بما يعكس الوفاء صوب وجهتهم المشتركة.
ومع تعايشنا في عصر الرّقمنة، فإنَّا ندرك عمقًا أكبر لكأس العالم الرّياضي، يتجسّد عبر الشاشات الإلكترونيّة التي تحوَّلت إلى نافذةٍ يطلّ المتابعون من أقطاب العالم شرقًا وغربًا من خلالها نحو هدف المرمى الأوحد، في مخيّلة تتجاوزُ البعد الماديّ الثالث. وكذا فاللغات التعبيرية تنطبعُ بصبغة الإعلام الرّقمي؛ فتنتقل بنا كتلةً واحدةً إلى أرض الملعب لحظةً بلحظة، في سعيٍ فطريّ لاكتمال الجسد الإنساني الواحد، ولسان الحال الافتراضي يقول: "نحن هنا، نتألم ونفرح معًا، والفرصة متاحة مجانًا للجميع لمشاهدة المباريات، والتفاعل مع فعاليات المشجعين، ومسيراتهم تجاه الملاعب، وتبادلهم الأحاديث مع أصحاب المكان قبيل بدء المباريات، وارتدائهم الأزياء التنكّرية المعبرة عن بلدانهم، وغيرها من طيوف الاحتفالات". وفي موقف آخر تخطفنا اللقطات التّصويرية السَّريعة (البوستات والريلز) للتَّرويح عن أنفسنا فتغرقنا -شئنا أم أبينا- بتعليقاتٍ ماتعةٍ بالدّعابة، ومواقفَ مشبعةٍ بالروح الرياضية وتقبّل الآخر، وإعلاناتٍ احترافيّةٍ تدفعنا للتبادل الثقافي، والتمازج بين التراث والحداثة.
وبعدما تصمتُ الجماهير، ندرك أنَّ كأس العالم لم يكن يومًا حدثًا رياضيًّا مستقلًّا لمطاردة الكرة بين قطبي المرمى فحسب، بل هو مرآةٌ اجتماعيَّة تقودنا نحو التسامي الوجودي الإنساني، وتقاسم الشغف القائم على التسامح واحترام حقوق الإنسان.
