مواقف وتحركات.. كيف قاد الملك الجهود الأردنية لدعم غزة؟

مواقف وتحركات.. كيف قاد الملك الجهود الأردنية لدعم غزة؟



منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول 2023، تحرك الأردن على مسارين متوازيين، أولهما سياسي ودبلوماسي، عبر الدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين ورفض تهجير الفلسطينيين، والثاني إنساني وإغاثي، من خلال تسيير القوافل البرية والجسر الجوي وإقامة المستشفيات الميدانية وإجلاء الأطفال المرضى وتوفير الغذاء والمياه والمستلزمات الطبية لسكان القطاع.

وخلال هذه الفترة، برزت القضية الفلسطينية وقطاع غزة في صدارة التحركات السياسية لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي كرر في لقاءاته واتصالاته الدولية ضرورة وقف الحرب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ورفض أي تهجير للفلسطينيين من قطاع غزة، إلى جانب التأكيد على أن إنهاء الصراع يتطلب حلاً سياسياً على أساس حل الدولتين.

وفي 31 تشرين الأول 2023، دعا جلالة الملك خلال اتصال مع الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن إلى وقف إطلاق النار وهدنة إنسانية فورية في غزة، بما يضمن إيصال المساعدات الإنسانية دون انقطاع، مؤكداً ضرورة العمل على وقف الحرب وفتح أفق سياسي للقضية الفلسطينية.

كما أكد جلالته في تشرين الأول من العام نفسه رفض الأردن لأي تهجير للفلسطينيين، سواء داخل قطاع غزة أو خارجه، محذراً من تداعيات استمرار الحرب وتدهور الوضع الإنساني.

ومع استمرار الحرب، واصل جلالة الملك التأكيد على ضرورة حماية المدنيين وإدخال الغذاء والدواء والمياه والوقود إلى القطاع، محذرا في الوقت ذاته من تداعيات التصعيد في الضفة الغربية ومحاولات الفصل بين الضفة وغزة باعتبارهما جزءا من الدولة الفلسطينية الواحدة.

وفي آذار 2024، جدد جلالة الملك خلال لقائه وزير الخارجية البرازيلي الدعوة إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار في غزة، وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع عبر مختلف الوسائل الممكنة.

وفي تشرين الأول 2024، دعا الملك المجتمع الدولي إلى استجابة فعالة ومنسقة للكارثة الإنسانية في غزة، مؤكداً أهمية مضاعفة المساعدات الإغاثية والطبية وضمان استمرار تدفقها، كما شدد على ضرورة وقف الحرب والوصول إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.

وفي أحدث خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول 2026، جدد جلالة الملك عبدالله الثاني التأكيد على أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية لا يمكن التعامل معه باعتبارهما مسارين منفصلين، محذراً من أن استمرار تدمير غزة وتوسّع الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وأكد جلالته أن الأردن سيواصل دعم صمود الفلسطينيين، ومساندة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، إلى جانب مواصلة دوره في تقديم المساعدات الإنسانية، والحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

وشدد على أن الأردن لن يتخلى عن التزامه بالسلام العادل، وأن حل الصراع يتطلب مساراً سياسياً يضمن حقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم.

كما تناول جلالة الملك في خطابه الوضع الإنساني في غزة، مشيراً إلى استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني خلال أول 300 يوم من وقف إطلاق النار الذي أشار إليه في الخطاب، ومتحدثاً عن استهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، ومؤكداً أن ما يجري لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إجراءات عسكرية مؤقتة، في ظل استمرار تدمير البنية التحتية المدنية والضغط على الفلسطينيين في القطاع.


مساعدات برية وجوية وميدانية

على الجانب الإنساني، تحولت الاستجابة الأردنية إلى عمليات متعددة المسارات، شملت القوافل البرية، والجسر الجوي، والإنزالات الجوية، والمستشفيات الميدانية، إضافة إلى مشاريع الغذاء والمياه والإيواء.

ووفق بيانات رسمية، سير الأردن منذ بداية الحرب مئات القوافل المحملة بالمساعدات إلى قطاع غزة، بالتعاون بين القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية وشركاء دوليين.

وبحلول عام 2025، كانت الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية قد سيرت 201 قافلة إغاثية إلى غزة عبر المنافذ البرية، ضمت 8664 شاحنة محملة بالمواد الغذائية والطبية والإيوائية.

كما سيرت 53 طائرة إغاثة عبر مطار العريش، حملت أكثر من 530 طناً من المواد الأساسية والاحتياجات العاجلة، إلى جانب تنفيذ عمليات إنزال جوي للمساعدات داخل القطاع بالتعاون مع القوات المسلحة الأردنية ودول أخرى.

وفي أرقام أُعلنت خلال زيارة جلالة الملك إلى مستودعات الهيئة في كانون الثاني 2025، بلغ حجم المساعدات التي أرسلتها الهيئة إلى غزة منذ بدء الحرب نحو 73 ألف طن، بقيمة إجمالية تجاوزت 212 مليون دولار، واستفاد منها قرابة 1.4 مليون شخص في القطاع.

واستمرت القوافل بعد ذلك؛ ففي آب 2025 أعلنت الهيئة وصول عدد الشاحنات التي أرسلتها إلى القطاع منذ بداية الحرب إلى 8480 شاحنة، قبل أن يتواصل إدخال المساعدات خلال عام 2026.

وفي أيلول 2026، أعلنت الهيئة عبور قافلة جديدة مكونة من 25 شاحنة محملة بالمواد الغذائية، ليصل إجمالي الشاحنات التي أرسلت إلى القطاع منذ بداية الحرب إلى 8480 شاحنة وفق الرقم المعلن في ذلك الوقت.


الخبز والمياه والغذاء.. مساعدات تستهدف الاحتياجات الأساسية

لم تقتصر المساعدات الأردنية على الطرود الغذائية والأدوية، إذ توسعت لتشمل مشاريع تستهدف الاحتياجات اليومية لسكان القطاع.

ومن بين هذه المشاريع المخابز المتنقلة، ومشاريع توفير مياه الشرب، والوجبات الساخنة، والطحين، وحليب الأطفال، إضافة إلى الخيام ومستلزمات الإيواء.

وفي 2025، قالت الهيئة إن مشاريعها في غزة شملت توفير أكثر من 21 ألف لتر من مياه الشرب، وتقديم ما يقارب 1.5 مليون وجبة ساخنة، إلى جانب مشاريع الخبز والطحين والإيواء. كما بلغ إجمالي المساعدات التي أدخلتها الهيئة إلى القطاع منذ بداية الحرب، وفق بياناتها، أكثر من 123 ألف طن من المواد الإغاثية المتنوعة.

وفي آب 2026، أكد أمين عام الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية حسين الشبلي استمرار توزيع المساعدات في مختلف مناطق القطاع، مشيراً إلى توزيع ما بين 3 و4 آلاف طرد غذائي يومياً، إلى جانب تدخلات في مجالات المياه والوجبات الغذائية والطحين وحليب الأطفال واللحوم المجمدة والسلال الغذائية.


المستشفيات الميدانية.. حضور طبي أردني داخل غزة

كان القطاع الطبي أحد أبرز مسارات الاستجابة الأردنية، من خلال المستشفيات الميدانية التي واصلت العمل داخل غزة منذ بداية الحرب.

وبحسب القوات المسلحة الأردنية، أُرسل المستشفى الميداني العسكري إلى جنوب غزة مع بداية الحرب، فيما عزز الأردن لاحقاً حضوره الطبي في شمال القطاع، إضافة إلى مستشفى ميداني في نابلس.

وبحلول كانون الثاني 2025، كانت المستشفيات الميدانية الأردنية قد استقبلت نحو 521 ألف حالة مرضية، وأجرت أكثر من 21 ألف عملية جراحية كبرى وصغرى، وتعاملت مع أكثر من 55 ألف مصاب حرب، وفق بيانات القوات المسلحة الأردنية التي نقلتها بترا.

كما أطلق الأردن مبادرة “استعادة الأمل” لتركيب الأطراف الاصطناعية للمصابين، وبدأت فرق طبية أردنية العمل داخل غزة في هذا المجال.

واستمر تشغيل المستشفيات خلال عام 2026؛ ففي أيار وصل طاقم جديد إلى المستشفى الميداني الأردني جنوب غزة، فيما أعلنت القوات المسلحة أن المستشفى السابق عالج خلال مهمته 33,179 مريضاً وأجرى 558 عملية جراحية وساهم في تركيب 208 أطراف اصطناعية.

وفي آب 2026، أعلنت القوات المسلحة عودة طاقم المستشفى الميداني جنوب غزة/10 بعد إنجاز مهمته، بعدما عالج 35 ألف مريض وأجرى 668 عملية جراحية وساهم في تركيب 214 طرفاً اصطناعياً.

كما واصل الأردن رفد المستشفيات باحتياجاتها؛ ففي حزيران 2026 أرسلت القوات المسلحة قافلة من 10 شاحنات محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية ومعدات الأطراف الاصطناعية إلى المستشفيين الميدانيين الأردنيين في غزة.


إجلاء الأطفال المرضى للعلاج في الأردن

امتدت الاستجابة الأردنية إلى استقبال الأطفال المرضى والمصابين من قطاع غزة لتلقي العلاج في المملكة.

وفي تموز 2025، أعلنت القوات المسلحة إجلاء الدفعة السادسة من الأطفال ضمن “الممر الطبي الأردني”، وضمت 23 طفلاً برفقة 46 من ذويهم.

وبذلك وصل عدد الأطفال المرضى الذين تم إجلاؤهم للعلاج في الأردن منذ إطلاق المبادرة إلى 77 طفلاً، إلى جانب 169 مرافقاً، وفق بيانات القوات المسلحة الأردنية.

وكان جلالة الملك قد أعلن في وقت سابق البدء باستقبال 2000 طفل من قطاع غزة من المرضى والمصابين لاستكمال علاجهم في المستشفيات الأردنية وعلى نفقة الأردن، ضمن الجهود الطبية والإنسانية تجاه سكان القطاع.


الإنزالات الجوية والجسر الإنساني

ومع صعوبة وصول المساعدات إلى مناطق مختلفة من القطاع، لجأ الأردن إلى الإنزالات الجوية، التي أصبحت أحد مسارات إيصال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية.

ووفق القوات المسلحة الأردنية، نفذت الطائرات الأردنية 125 إنزالاً جوياً منفرداً على غزة، إضافة إلى 266 إنزالاً بالتعاون مع دول شقيقة وصديقة، في إطار عمليات إيصال المساعدات للمناطق التي يصعب الوصول إليها براً.

كما أقام الأردن جسراً جوياً عبر مطار العريش، لنقل المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية تمهيداً لإدخالها إلى القطاع.

وشملت الجهود كذلك إرسال طائرات عسكرية محملة بالمساعدات ضمن “الجسر الإنساني”، إلى جانب استخدام الطائرات العمودية في عمليات إيصال المساعدات.


موقف سياسي يتجاوز الإغاثة

بالتوازي مع العمل الإنساني، حافظ الأردن على خطاب سياسي يربط وقف الحرب بالمسار السياسي للقضية الفلسطينية.

فالمواقف التي أعلنها جلالة الملك منذ بداية الحرب تركزت حول وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات، ورفض التهجير، ومنع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وصولاً إلى التأكيد على حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الذي يطرحه الأردن لإنهاء الصراع.

وفي تشرين الثاني 2025، جدد الملك التأكيد على ضرورة خلق أفق سياسي للقضية الفلسطينية لتحقيق السلام على أساس حل الدولتين، وعلى ضرورة الالتزام باتفاق إنهاء الحرب في غزة وتعزيز الاستجابة الإنسانية الدولية وتدفق المساعدات.

وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2025، أكد جلالة الملك أن حل الدولتين هو المسار الذي يطرحه الأردن لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وفق المرجعيات الدولية.

ومع استمرار الجهود الإنسانية خلال 2026، بقيت المستشفيات الميدانية الأردنية والقوافل الإغاثية حاضرة في القطاع؛ ففي آب 2026 وصلت قافلة أردنية من تسع شاحنات إلى المستشفى الميداني في خان يونس محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية لضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية.

وهكذا، امتدت الاستجابة الأردنية لغزة منذ 7 تشرين الأول 2023 من قنوات الدبلوماسية والتحرك السياسي إلى العمل الإنساني المباشر داخل القطاع، عبر المساعدات والقوافل والمستشفيات الميدانية والإنزالات الجوية والممر الطبي لإجلاء الأطفال، فيما واصل الأردن، عبر مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني، التأكيد على وقف الحرب وحماية المدنيين ورفض التهجير، والدفع باتجاه حل سياسي للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.


إرسال تعليق

أحدث أقدم