*بين عبق أيلول وثراء الحرف... العدد الواحد والعشرون من «سُرى»*

*بين عبق أيلول وثراء الحرف... العدد الواحد والعشرون من «سُرى»*

 



بقلم:الاستاذة لمياء عويد 


مع عبق أيلول وأزهار اللافندر، تطلّ «سُرى» في عددها الواحد والعشرين، حاملةً معها شيئًا من روح هذا الشهر؛ هدوءه، وتحولاته، ونسمة البرد الأولى التي تعلن انقضاء الصيف وفتح نافذة جديدة في السنة. ولعل هذا ما يمنح العدد مذاقه الخاص؛ فأيلول لا يحضر فيه كتاريخ للصدور فحسب، بل كحالة شعورية تتسلل إلى الصفحات وترافق القارئ في رحلته بينها.

وكما يغيّر أيلول ملامح الفصل، يحمل العدد الواحد والعشرون ملامح تطور واضحة في مسيرة المجلة. ليست نقلة تقطع مع ما سبق، وإنما خطوة أكثر نضجًا في اتجاه بناء هوية تحريرية تتسع للأدب والفن، وللأسماء الراسخة والأصوات الجديدة.

وتظهر هذه النقلة بوضوح في بنية العدد؛ فالتنوع هنا ليس مجرد تعدد في الأجناس، وإنما إيقاع متدرج للقراءة. القصة تفتح فضاء السرد، والمقال يدفع نحو التفكير والتأمل، والقصيدة تستعيد موسيقى اللغة، بينما يضيف الفن التشكيلي بعدًا بصريًا يوازي النص ويمنح العين استراحة من كثافة الحرف. وبهذا تتشكل الصفحات كرحلة تتبدل فيها النبرة، دون أن تفقد وحدتها.

وهنا تتجلى قيمة العمل التحريري؛ فالمجلة لا تُقاس بكمّ ما تنشره، بل بقدرتها على خلق علاقة بين ما تنشره. اختيار النص، وموقعه، وما يجاوره، والإيقاع الذي ينتقل به القارئ من مادة إلى أخرى، كلها تفاصيل تصنع شخصية العدد. وفي هذا الجانب، يقدّم العدد الواحد والعشرون تجربة أكثر وعيًا بالبناء، وكأنه يحاول أن ينتقل من جمع النصوص إلى هندسة القراءة.

ويكتمل هذا التنوع بحضور أقلام جديدة من مختلف أنحاء الوطن العربي. وهي إضافة لا تمنح العدد اتساعًا جغرافيًا فحسب، بل تمنحه حيوية أدبية متجددة، وتحوّل المجلة إلى مساحة لا تحتفي بالأسماء المعروفة فقط، بل تتيح للقارئ أن يكتشف أصواتًا وتجارب جديدة تستحق أن تجد طريقها إلى المشهد.

لكن هذا الانفتاح يضع أمام المجلة مسؤولية مضاعفة؛ فكلما اتسعت دائرة المشاركين، أصبحت الحاجة إلى الانتقاء النقدي أكثر أهمية. فاحتضان القلم الجديد لا ينبغي أن يكون على حساب المستوى الفني، بل يجب أن يقوم على معيار واضح يوازن بين منح الفرصة والمحافظة على جودة التجربة، وبين تعدد الأصوات ووحدة العدد.

أما الفن التشكيلي، فيتجاوز حضوره الوظيفة الجمالية حين يأتي منسجمًا مع روح المجلة؛ فالصورة يمكن أن تصبح نصًا بصريًا موازيًا، تضيف ما لا تقوله الكلمات، وتعيد تشكيل إيقاع القراءة. ومن هنا لا يعود البعد البصري مجرد إطار، بل يصبح جزءًا من هوية العدد ووسيلة أخرى للتعبير.

وعلى مستوى الخطاب، تنجح «سُرى» في الحفاظ على مسافة قريبة من القارئ؛ فلا تقدم الأدب بوصفه فضاءً نخبوياً مغلقًا، ولا تفرّط في عمقه من أجل سهولة الوصول. إنها تترك للنص قيمته، وللقارئ حريته في التلقي، وهو توازن يمنح المجلة قدرة على التواصل دون أن تفقد هويتها الأدبية.

ومع ذلك، فإن هذا الثراء يفتح أمام الأعداد المقبلة مجالًا لمزيد من الاشتغال على الخيط الداخلي للعدد؛ بحيث تصبح الصلات بين المواد أكثر قصدية، وتتحول الانتقالات من مجرد ترتيب إلى حوار غير معلن بين النصوص والصور والأصوات. عندها يمكن للتنوع أن يبلغ مستوى أعلى، فيصبح العدد عملًا متكاملًا لا مجموعة أعمال متجاورة.

في المحصلة، يأتي العدد الواحد والعشرون بوصفه محطة لافتة في مسيرة «سُرى»؛ محطة تؤكد رغبتها في التجديد، وتكشف عن وعي متزايد بأن المجلة ليست حاوية للحرف، بل فضاء لصناعته وتقديمه وتأطيره وإيصاله إلى القارئ.

وبين عبق أيلول وثراء الحرف، يبدو هذا العدد شبيهًا بالفصل الذي يحمله اسمه: انتقال هادئ لا يعلن نفسه بصخب، لكنه يُرى في التفاصيل؛ في تنوع المواد، واتساع الأصوات، ونضج البناء، وفي تلك المساحة التي تتركها «سُرى» للقارئ ليجد بين صفحاتها ما يشبهه.

بين عبق أيلول وثراء الحرف، تكتب «سُرى» عددها الواحد والعشرين؛ لا لتقول إن الطريق اكتمل، بل لتؤكد أنها ما زالت تعرف كيف تفتح للحرف طريقًا جديدًا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم