بقلم غيث عمر بطاينه
المشكلة الحقيقية في كثير من مؤسساتنا ليست في القوانين، ولا في الأنظمة، بل في ذلك المسؤول الرضيع الذي يجلس على الكرسي بلا فهم، وبلا قدرة على اتخاذ قرار، وبلا استعداد حتى لأن يفتح كتاب القانون ويقرأ سطرًا واحدًا منه. مسؤولٌ كلما واجهته مشكلة، أو وقف أمامه مواطن يطلب حقه، ارتبك، ومدّ يده إلى الهاتف، واتصل بمن هو أعلى منه، وكأن الوظيفة التي يحملها لا تمنحه صلاحية التفكير ولا حتى مسؤولية التقدير.
هذا النوع من المسؤولين لا يستمد قراراته من روح القانون، ولا من العدالة، ولا من ضميره المهني، بل من “الماسورة” التي تأتيه من فوق. إذا قال له الوزير نعم قال نعم، وإذا قال له لا أغلق الباب في وجه المواطن، مهما كانت ظروفه، ومهما كانت حالته الإنسانية أو المرضية أو الاجتماعية.
المؤلم أن المواطن حين يذهب إلى مؤسسة رسمية لا يذهب طلبًا للشفقة، بل يذهب طالبًا لحق، أو لإنصاف، أو لتطبيق قانون. لكنه يصطدم أحيانًا بمسؤول لا يملك الحد الأدنى من الفهم والإدراك، فيتحول القانون بيده إلى أداة ظلم بدل أن يكون وسيلة عدالة.
كم من مريض تعطلت معاملته لأن مسؤولًا خاف أن يوقّع؟
وكم من صاحب حق ضاع حقه لأن موظفًا لا يفهم النص القانوني اكتفى بتنفيذ أوامر عمياء؟
وكم من مواطن وصل إلى حافة اليأس لأن مسؤولًا جبانًا لا يمتلك شجاعة القرار؟
إن قلة فهم المسؤول وقلة إدراكه ليست مشكلة إدارية فقط، بل كارثة تمس حياة الناس مباشرة. فالمسؤول الجاهل قد يدمّر مستقبل إنسان، وقد يحرم عائلة من حقها، وقد يدفع مواطنًا إلى التهلكة وهو يظن أنه “يحمي نفسه” أو “ينفذ التعليمات”.
ولا يقف ضرر المسؤول الرضيع عند ظلم المواطن وتعطيل حقوق الناس فقط، بل يتحول إلى حجر عثرة حقيقي أمام نهضة المنطقة التي يعمل فيها. فالمناطق لا تتطور بوجود مسؤولين خائفين، عاجزين عن اتخاذ القرار، ينتظرون التعليمات في كل تفصيل صغير. التنمية تحتاج إلى عقل يفهم، وإدارة تملك الجرأة، ومسؤول يشعر أن نجاح الناس من نجاحه.
لكن المسؤول الرضيع يقتل المبادرات، ويعطل المشاريع، وينفّر الناس، ويجعل كل معاملة معركة طويلة من الانتظار والاتصالات والروتين العقيم. وبدل أن يكون سببًا في تحسين حياة المواطنين، يصبح سببًا في تعطيل مصالحهم وتأخير التنمية وإضعاف ثقة الناس بالمؤسسات.
إن المنطقة التي يُدار فيها العمل بعقلية الخوف والتبعية لا يمكن أن تنهض، لأن النهضة تحتاج إلى مسؤول يمتلك رؤية، لا مجرد موظف ينتظر “الأوامر” ليحرّك قلمه.
المسؤول الحقيقي هو من يقرأ، ويفهم، ويجتهد، ويوازن بين النص وروح العدالة. المسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف الهاتف، ولا ينتظر التعليمات في كل صغيرة وكبيرة، بل يتحمل مسؤوليته أمام الله وأمام الناس وأمام ضميره.
أما المسؤول الرضيع، فهو عبء على الدولة قبل أن يكون عبئًا على المواطن، لأنه يقتل الثقة بالمؤسسات، ويحوّل الوظيفة العامة من خدمة للناس إلى أداة خوف وتعقيد وإذلال.
الدول لا تنهار فقط بسبب الفساد المالي، بل تنهار أيضًا عندما تُسلَّم مواقع المسؤولية لأشخاص لا يملكون الجرأة على التفكير، ولا القدرة على الفهم، ولا الإنسانية في التعامل مع الناس.
