بقلم قمر عبدالرحمن
يبدو أن جراحنا أصبحت عبئًا على الشعوب، فمن يرى لهفة الجماهير للمونديال، والسهر حتى الفجر، والتجمعات الصاخبة، والشاشات العملاقة، والاستعدادات التي تبدأ قبل الحدث بأشهر، يكاد يظن أن الأمة ما زالت قادرة على أن تجتمع على قضية واحدة. لكن الصدمة تأتي حين نتخيل أن الدعوة نفسها كانت لمظاهرة إنسانية، أو وقفة نصرة للأسرى، أو حشد دفاعًا عن المسجد الأقصى. عندها قد لا نجد إلا صفوفًا قليلة تُعدّ على الأصابع.
نحن لا نعادي الرياضة، ولا نكره الفرح، ولا نطلب من الناس أن يعيشوا في حزن دائم. لكننا نتألم من هذه المفارقة القاسية؛ من هذا التفاوت المخيف بين ما يحرك الجماهير وما يعجز عن تحريكها.
في الوقت الذي كانت فيه الجماهير تتابع المباريات، كان القصف على غزة لا يتوقف. كانت البيوت تُهدم، والأطفال يُنتشلون من تحت الركام، والأمهات يودعن أبناءهن، بينما كانت الشاشات الأخرى تنقل أهدافًا واحتفالات وصيحات انتصار. وكأن العدو فهمنا أكثر مما فهمنا أنفسنا؛ يعرف كيف يقتلنا، ويعرف أيضًا كيف يلهينا.
أتخيل فقط، مجرد خيال (لا سمح الله أن يحدث) ماذا لو خرج ربع هذه الحشود، لا كلها نصرة للأسرى مثلًا؟ ماذا لو تحرك جزء يسير من هذا الشغف لأجل القدس؟ ماذا لو امتلأت الساحات كما تمتلئ المدرجات؟ هل كان المشهد سيبقى كما هو الآن؟ هل كانت الرسالة ستصل بالصوت نفسه أم كانت ستُسمع في كل مكان؟
ثم نعود لنلوم الحكام وحدهم، بينما كثير من الشعوب تعتبر أنها أدت واجبها بالكامل إذا تابعت نشرات الأخبار، أو شاهدت قناة الجزيرة الإخبارية لساعات، أو فضّلت خبرًا عاجلًا على فيلم أو مسلسل. وكأن التضامن أصبح شعورًا يُستهلك أمام الشاشات لا موقفًا يُترجم على الأرض.
أحيانًا يتسلل سؤال موجع إلى القلب.. هل أصبحت فلسطين ثقيلة إلى هذا الحد؟ وهل صار حمل القدس عبئًا على الأمة أكثر من كونه شرفًا لها؟ وإن كانت كذلك، فلماذا يحاصرونها؟ ولماذا يخشون صوتها؟ ولماذا ترتعد حساباتهم من مجرد ذكرها إذا كانت بلا وزن كما يزعم البعض؟
القدس ليست قضية أهل فلسطين وحدهم، والأقصى ليس ميراث شعب واحد. هذه قضية أمة كاملة، لكنها تبدو اليوم كأنها تُترك شيئًا فشيئًا على أكتاف القلة.
المؤلم ليس أن الناس يحبون كرة القدم، بل أن كثيرين يملكون القدرة على السهر حتى الصباح من أجل مباراة، ثم يعجزون عن تخصيص ساعة لقضية إنسانية أو موقف أخلاقي. في المجازر ينامون مبكرًا بحجة العمل والالتزامات، وفي البطولات يسهرون حتى الفجر، ويتأخرون عن أعمالهم، ويطلبون الإجازات، ويقطعون المسافات الطويلة لأجل كرة تتدحرج فوق العشب.
لا شيء يوقف الشعوب حين تريد، والتاريخ شاهد على ذلك. لكن المأساة الحقيقية أن كثيرًا من الشعوب لم تعد تريد أصلًا. لم تعد ترى في القضايا الكبرى أولوية تستحق التضحية، ولا في المظلومين نداءً يستحق الاستجابة.
ويبقى السؤال معلقًا في الهواء، ثقيلًا كالجراح نفسها..
ماذا لو وجدنا للمسجد الأقصى بعض الشغف الذي نجده في المدرجات؟ وماذا لو أحببنا الحرية للأسرى كما نحب الفوز لفرقنا؟ وماذا لو اجتمعنا لقضايانا المصيرية كما نجتمع لمباراة نهائية؟
ربما عندها فقط، سيتغير شيء.
