إعداد: الربان مالك المبارك
مقدمة
قد يبدو مشهد الحشود في السفن السياحية، والموانئ، والمطارات، والملاعب، والمهرجانات، ومراكز التسوق، والفعاليات العامة مختلفاً من مكان إلى آخر، إلا أن العامل المشترك بينها جميعاً هو وجود عدد كبير من الأشخاص في مساحة محددة، يتحركون في اتجاهات مختلفة، ويتفاعلون مع الظروف المحيطة بسرعة قد يصعب التنبؤ بها.
ولهذا فإن إدارة الحشود لا تعني فقط تنظيم دخول الأشخاص وخروجهم، أو استخدام الحواجز واللافتات، بل هي منظومة متكاملة تبدأ قبل وصول الجمهور، من خلال التخطيط وتقييم المخاطر، وتستمر أثناء وجود الحشود من خلال المراقبة والتواصل والسيطرة على حركة الأشخاص، وتنتهي بالتأكد من خروجهم وتفرقهم بأمان.
وتزداد أهمية إدارة الحشود في القطاع البحري بصورة خاصة، لأن السفينة بيئة محدودة المساحة، تحتوي على ممرات وسلالم وأبواب ومخارج محددة، وقد يضطر مئات أو آلاف الأشخاص إلى التحرك في وقت واحد أثناء حالة طارئة.
إدارة الحشود في القطاع البحري
أدركت المنظمة البحرية الدولية (IMO) أهمية العامل البشري في سلامة سفن الركاب، ولذلك تتضمن اتفاقية STCW ومتطلباتها التدريبية متطلبات خاصة بالعاملين على سفن الركاب، ومنها التدريب على إدارة الحشود Passenger Ship Crowd Management للأفراد الذين تقع عليهم مسؤوليات مساعدة الركاب أثناء حالات الطوارئ.
كما تعتمد المنظمة البحرية الدولية نموذجاً تدريبياً خاصاً بإدارة الحشود على سفن الركاب، ضمن دوراتها النموذجية التدريبية. (International Maritime Organization)
ولا يأتي هذا الاهتمام من فراغ؛ فالسفينة في حالات الطوارئ قد تشهد انتقال أعداد كبيرة من الركاب في وقت قصير، بينما يكون بعض الركاب غير familiarين بتخطيط السفينة أو إجراءات الطوارئ، وقد يكون بينهم أطفال وكبار سن وأشخاص يحتاجون إلى مساعدة إضافية.
ومن هنا تصبح مهمة الطاقم ليست فقط إصدار التعليمات، وإنما توجيه الحشود والمحافظة على النظام ومنع التدافع وتسهيل الوصول إلى مناطق التجمع ووسائل النجاة.
لماذا يمكن أن تتحول الحشود إلى خطر؟
وجود عدد كبير من الأشخاص لا يعني بالضرورة وجود خطر. الخطر يظهر عندما تصبح حركة الأشخاص غير منظمة أو عندما تتجاوز كثافة الحشود قدرة المكان على استيعاب الحركة بصورة آمنة.
ومن أهم العوامل التي يمكن أن تزيد المخاطر:
* ارتفاع كثافة الأشخاص في منطقة محددة.
* ضيق الممرات أو المخارج.
* وجود أكثر من اتجاه لحركة الأشخاص.
* ضعف الإضاءة أو الرؤية.
* عدم وضوح اللافتات والتعليمات.
* انتشار الشائعات أو المعلومات غير الصحيحة.
* فقدان الاتصال بين فرق إدارة الحشود.
* حدوث حالة طوارئ مفاجئة.
* وجود أشخاص من ذوي الإعاقة أو محدودي الحركة.
* عدم معرفة الجمهور بمخارج الطوارئ.
* وجود عوائق أو أجسام في مسارات الحركة.
وتشير إرشادات هيئة الصحة والسلامة البريطانية HSE إلى أن إدارة سلامة الحشود يجب أن تتضمن تحديد المسؤوليات، وتقييم المخاطر، ووضع وسائل للسيطرة على الحشود، ومراقبتها، والتخطيط للحوادث والطوارئ. (HSE)
التخطيط يبدأ قبل وصول الجمهور
من الأخطاء الشائعة التعامل مع إدارة الحشود باعتبارها مهمة تبدأ لحظة وصول الجمهور. في الواقع، تبدأ الإدارة الفعالة للحشود قبل ذلك بكثير.
يجب على الجهة المنظمة أن تدرس:
من سيأتي؟
عدد الأشخاص المتوقع، أعمارهم، احتياجاتهم الخاصة، وطبيعة الجمهور.
أين سيتجمعون؟
مناطق الدخول، الانتظار، الحركة، الجلوس، الخدمات، ومخارج الطوارئ.
كيف سيتحركون؟
دراسة مسارات الدخول والخروج ومناطق الاختناق المحتملة.
ماذا سيحدث إذا وقع طارئ؟
يجب أن تكون هناك خطة واضحة للإخلاء، والاتصال، وتوجيه الجمهور إلى المناطق الآمنة.
وتؤكد إرشادات HSE أهمية النظر إلى حركة الجمهور خلال مراحل الوصول والدخول، والحركة داخل الموقع، ثم المغادرة والتفرق، وليس التركيز على مرحلة واحدة فقط. (HSE)
إدارة الحشود أثناء الطوارئ
في الحالات الطبيعية يستطيع الناس اتخاذ قراراتهم بصورة فردية، أما أثناء الطوارئ فقد تتغير سلوكياتهم نتيجة الخوف والارتباك والرغبة في الوصول إلى مكان آمن بأسرع وقت ممكن.
وهنا تظهر أهمية وجود أشخاص مدربين على إدارة الحشود.
في البيئة البحرية، يجب أن يكون أفراد الطاقم المكلفون بمساعدة الركاب قادرين على:
1. إعطاء تعليمات واضحة ومختصرة.
2. توجيه الركاب إلى مناطق التجمع المحددة.
3. منع تجمع الأشخاص في نقاط الاختناق.
4. المحافظة على انسيابية الحركة.
5. مساعدة الأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم إضافي.
6. التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من الخوف أو الارتباك.
7. المحافظة على التواصل مع بقية أفراد الطاقم.
8. متابعة تنفيذ خطة الإخلاء.
وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن التدريب الخاص بإدارة الحشود جزء من متطلبات تدريب الأشخاص المعنيين بمساعدة الركاب في حالات الطوارئ على سفن الركاب. (International Maritime Organization)
التواصل هو مفتاح السيطرة
قد تكون خطة الطوارئ ممتازة، ولكنها تفشل إذا لم تصل المعلومات الصحيحة إلى الأشخاص في الوقت المناسب.
لذلك يجب أن تكون الرسائل أثناء إدارة الحشود:
واضحة – قصيرة – دقيقة – موحدة.
ومن الأفضل إعطاء تعليمات عملية مثل:
“يرجى التحرك بهدوء إلى نقطة التجمع المحددة.”
بدلاً من إعطاء تعليمات طويلة قد تزيد من الارتباك.
وفي السفن، تلعب أنظمة الإنذار والاتصال الداخلي والطاقم دوراً أساسياً في توجيه الركاب. كما أن التصميم الجيد لمسارات الهروب ومناطق التجمع يمثل جزءاً مهماً من منظومة السلامة.
وتضع SOLAS متطلبات تتعلق بالإخلاء المنظم ووسائل الهروب وأنظمة السلامة في سفن الركاب، كما أصبحت تحليلات الإخلاء جزءاً من متطلبات تصميم سفن ركاب جديدة في حالات محددة. (International Maritime Organization)
ماذا نتعلم من القطاع البحري؟
يمكن نقل العديد من مبادئ إدارة الحشود المستخدمة في السفن إلى الأماكن العامة.
فعلى سبيل المثال، عند تنظيم فعالية رياضية أو مهرجان أو معرض، يمكن تطبيق المبدأ نفسه:
التخطيط → تقييم المخاطر → تنظيم الحركة → التواصل → المراقبة → الاستجابة للطوارئ → الإخلاء → المراجعة.
فالهدف في جميع الحالات واحد: الحفاظ على سلامة الإنسان ومنع تحول الازدحام إلى حادث.
وهذا يعني أن إدارة الحشود يجب ألا تكون مسؤولية رجل الأمن أو المنظم وحده، بل منظومة مشتركة تشمل الإدارة، الأمن، الإسعاف، الدفاع المدني، العاملين في الموقع، والجهات المعنية بالنقل والمرور عند الحاجة.
التكنولوجيا ودورها في إدارة الحشود
أصبحت التكنولوجيا أداة مهمة في مراقبة الحشود.
ومن الوسائل التي يمكن استخدامها:
* كاميرات المراقبة.
* أنظمة العد الإلكتروني للأشخاص.
* شاشات المعلومات والإرشادات.
* أنظمة الإنذار والإذاعة العامة.
* تطبيقات الهواتف الذكية.
* أنظمة الاتصال بين فرق الطوارئ.
* تحليل حركة الأشخاص والازدحام في الوقت الحقيقي.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
فأفضل نظام تقني لن يعوض غياب التدريب أو ضعف التخطيط أو عدم وضوح المسؤوليات.
العنصر البشري
رغم التطور الكبير في التكنولوجيا، يبقى الإنسان العنصر الأساسي في إدارة الحشود.
فالشخص المدرب يستطيع أن يلاحظ علامات الارتباك والخوف، وأن يتعامل مع شخص يحتاج إلى مساعدة، وأن يغير طريقة توجيه الجمهور وفقاً للظروف.
ولهذا فإن التدريب العملي والتمارين الدورية يجب أن يكونا جزءاً أساسياً من منظومة إدارة الحشود.
وفي القطاع البحري، لا تقتصر أهمية التدريب على معرفة الإجراءات المكتوبة، وإنما تشمل القدرة على تطبيقها تحت الضغط وفي ظروف واقعية.
من إدارة الحشود إلى ثقافة السلامة
إدارة الحشود الناجحة لا تبدأ عند وقوع المشكلة، بل تبدأ ببناء ثقافة سلامة.
عندما يعرف الموظفون أدوارهم، ويعرف الجمهور أين يذهب، وتكون المخارج واضحة، وتتم مراقبة الكثافة، وتوجد خطة للطوارئ، وتكون الاتصالات فعالة، فإن احتمال وقوع حادث خطير ينخفض.
ولهذا فإن إدارة الحشود يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من نظام إدارة السلامة وليس إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بحدث معين.
الخلاصة
سواء كان الإنسان على متن سفينة ركاب، أو في ميناء، أو داخل ملعب، أو في مهرجان، أو في مركز تجاري، فإن سلامته أثناء وجوده ضمن تجمع بشري تعتمد بدرجة كبيرة على جودة التخطيط وإدارة الحركة والتواصل والاستجابة للطوارئ.
وقد أثبت القطاع البحري أهمية هذا المفهوم من خلال إدراج تدريب إدارة الحشود ضمن المتطلبات الخاصة بالعاملين على سفن الركاب، إلى جانب متطلبات الإخلاء والسلامة والطوارئ.
والدرس الأهم هو أن الحشود لا تصبح خطرة بسبب عدد الأشخاص وحده، وإنما عندما لا تتناسب كثافة الأشخاص وحركتهم مع قدرة المكان على استيعابهم وإدارتهم بأمان.
ومن هنا فإن الاستثمار في التدريب، وتقييم المخاطر، وتصميم المخارج ومسارات الحركة، والتواصل الفعال، والتمارين العملية، ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو استثمار مباشر في حماية الأرواح.
إدارة الحشود ليست السيطرة على الناس؛ إنها إدارة الحركة والسلوك والمخاطر بهدف واحد: أن يصل الجميع إلى وجهتهم ويغادروا المكان بأمان.
