بقلم: النائب السابق ماجد قويسم
في كل مرة يثبت فيها الأردنيون أن الكفاءة الوطنية قادرة على الوصول إلى مواقع متقدمة، نشعر بالفخر والاعتزاز، ليس فقط لأن أحد أبناء الوطن حقق إنجازاً شخصياً، وإنما لأن هذا النجاح يمثل صورة مشرقة للأردن وكفاءاته العلمية والإدارية. ومن بين هذه الكفاءات التي تستحق التقدير الدكتور نزار جمال حداد، الذي استطاع خلال مسيرته العلمية والمهنية أن يترك بصمة واضحة في مسيرة البحث والتطوير الزراعي في الأردن، وأن ينتقل بخبرته من العمل البحثي المتخصص إلى قيادة واحدة من أهم المؤسسات الوطنية المعنية بالأمن الغذائي والتنمية الزراعية، وصولاً إلى مواقع قيادية على المستوى الدولي.
لقد ارتبط اسم الدكتور نزار حداد بالمركز الوطني للبحوث الزراعية، حيث تولى مسؤولية المدير العام، وقاد جهوداً ركزت على تطوير البحث العلمي الزراعي وربطه باحتياجات القطاع الزراعي والتحديات التي تواجه الأردن، وفي مقدمتها شح المياه والتغير المناخي وتدهور التربة والأمن الغذائي والتحول نحو الزراعة الذكية والمبتكرة. ولم يكن دوره إدارياً فقط، بل حمل رؤية تقوم على أن البحث العلمي يجب أن يتحول إلى حلول عملية يستفيد منها المزارع والقطاع الزراعي والاقتصاد الوطني، وقد ظهر ذلك في اهتمامه بتطوير المختبرات وبناء قدرات الباحثين وتوظيف التكنولوجيا الحديثة وتعزيز الابتكار والريادة الزراعية.
وخلال فترة عمله في المركز الوطني للبحوث الزراعية، برز اهتمامه بتطوير منظومة البحث العلمي وتعزيز الشراكات مع المؤسسات والمنظمات الدولية، إلى جانب دعم الابتكار الزراعي وتحويل الأفكار والأبحاث العلمية إلى تطبيقات ومشاريع يمكن أن تسهم في خدمة القطاع الزراعي. كما أولى أهمية كبيرة للبحث في مجالات المياه والتربة والتغير المناخي والأمن الغذائي، وهي قضايا تمثل تحديات استراتيجية للأردن والمنطقة، الأمر الذي جعل من تجربة المركز خلال تلك المرحلة نموذجاً مهماً في ربط البحث العلمي باحتياجات التنمية الزراعية.
كما أن مسيرة الدكتور حداد العلمية والبحثية سبقت توليه منصب المدير العام، إذ ارتبط اسمه بالعمل البحثي الزراعي، ومن بينها مجال بحوث نحل العسل، الأمر الذي منحه خبرة عملية وعلمية تراكمية أسهمت في بناء شخصيته القيادية وقدرته على إدارة المؤسسات البحثية والتعامل مع الملفات الزراعية المختلفة من منظور علمي وتنموي.
إن ما يميز تجربة الدكتور نزار حداد هو قدرته على الجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الإدارية، وإيمانه بأن مستقبل الزراعة لا يمكن أن يبنى بالطرق التقليدية وحدها، وإنما يحتاج إلى البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والشراكات الدولية والاستثمار في الإنسان. وهذا النهج أصبح أكثر أهمية في ظل التحديات التي تواجه المنطقة والعالم، وفي مقدمتها التغير المناخي وشح الموارد المائية وارتفاع الطلب على الغذاء والحاجة إلى تطوير أنظمة إنتاج زراعي أكثر كفاءة واستدامة.
وفي امتداد لمسيرته العلمية والإدارية، جاءت محطة دولية بارزة تمثلت في توليه منصب المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا» (ICARDA)، وهو أحد المؤسسات البحثية الدولية المهمة في مجال الزراعة بالمناطق الجافة وشبه الجافة، ويعمل على تطوير الحلول العلمية التي تسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين إدارة الموارد الطبيعية والمياه وتطوير النظم الزراعية ومساعدة المجتمعات على التكيف مع التغير المناخي.
ويمثل تولي الدكتور نزار حداد هذه المسؤولية الدولية تقديراً للكفاءة والخبرة التي راكمها خلال سنوات عمله في البحث العلمي والإدارة الزراعية، كما يعكس قدرة الكفاءات الأردنية على تولي مسؤوليات قيادية في مؤسسات بحثية دولية تعمل في ملفات ذات أهمية استراتيجية للعالم والمنطقة. وقد شكلت هذه المحطة امتداداً طبيعياً لمسيرته التي انتقلت من العمل البحثي المتخصص إلى الإدارة الوطنية ثم إلى القيادة العلمية على المستوى الدولي.
إن تولي الدكتور حداد مسؤولية المدير العام لإيكاردا يعكس كذلك أهمية الخبرة الأردنية في التعامل مع التحديات الزراعية التي تواجه المناطق الجافة، وهي تحديات يعرفها الأردن والمنطقة بشكل مباشر، وفي مقدمتها محدودية الموارد المائية، وتدهور الأراضي، والتغير المناخي، والحاجة إلى رفع إنتاجية المحاصيل وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية. ومن هنا فإن وجود شخصية أردنية في موقع قيادي بمؤسسة دولية بهذا الحجم يمثل مصدر فخر واعتزاز، ويؤكد أن الخبرة المتراكمة في المؤسسات الوطنية يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة على المستو…
