كشفت دراسة علمية واسعة أجريت على ما يقرب من 400 ألف شخص في الولايات المتحدة عن تراجع ملحوظ في بعض القدرات العقلية والمعرفية خلال السنوات الأخيرة، في نتائج تعزز ما يعرف علميا بـ"تأثير فلين العكسي"، وهو الاتجاه الذي يشير إلى انخفاض أداء الأجيال الحديثة في اختبارات الذكاء بعد عقود من الارتفاع المستمر.
ونُشرت الدراسة في دورية (Intelligence)، وأجراها باحثون من جامعة نورث وسترن الأميركية، مؤكدين أن التراجع لا يعني بالضرورة أن البشر أصبحوا "أقل ذكاء"، لكنه يشير إلى تغيرات معقدة في أنماط التفكير والقدرات العقلية.
من الارتفاع إلى التراجع
قبل أكثر من قرن، طور علماء اختبار الذكاء "بينيه" في فرنسا، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث استُخدم على نطاق واسع في المدارس والمؤسسات المختلفة.
ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي، لاحظ العلماء أن متوسط درجات الذكاء كان يرتفع بنحو 3 نقاط كل عقد، وهي الظاهرة التي عُرفت لاحقًا باسم "تأثير فلين"، نسبة إلى الباحث جيمس فلين الذي وصفها عام 1984.
وأرجع العلماء هذا الارتفاع إلى عوامل متعددة، منها تحسن التغذية، وتطور التعليم، وانخفاض عدد الأطفال في الأسرة، وازدياد تعقيد البيئات التي يعيش فيها البشر.
دراسة على 400 ألف شخص
للتحقق مما إذا كان هذا الاتجاه قد انعكس في الولايات المتحدة، حللت الباحثة، إليزابيث دفوراك، وزملاؤها بيانات 394,378 بالغا تتراوح أعمارهم بين 18 و90 عاما.
وأظهرت النتائج انخفاضا في الدرجة المعرفية الإجمالية خلال فترة الدراسة، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو المستوى التعليمي، مع تسجيل أكبر تراجع بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاما، وكذلك بين أصحاب المستويات التعليمية الأقل.
كما انخفض الأداء في اختبارات التعرف على الأنماط، والاستدلال المجرد، وحل المشكلات، والتفكير المنطقي القائم على تسلسل الحروف والأرقام.
وقالت الباحثة إليزابيث دفوراك إنها ظنت في البداية أن هناك خطأ في تحليل البيانات، مضيفة: "راجعت الأكواد البرمجية لأسابيع، واعتقدت أنني ارتكبت خطأ، لكن بعد مراجعتها مع المشرف على الدراسة تأكدنا أن النتائج صحيحة".
مهارة واحدة تحسنت
لم تتراجع جميع القدرات العقلية، فقد سجل المشاركون تحسنا في اختبارات التصور المكاني ثلاثي الأبعاد، ويرجح الباحثون أن يكون الانتشار الواسع لألعاب الفيديو قد ساهم في تعزيز هذه المهارة.
أما اختبارات الاستدلال اللفظي، التي تعتمد على المفردات والمعرفة العامة، فلم تشهد تغيرا كبيرا مقارنة ببقية القدرات.
ما السبب؟
لا تقدم الدراسة تفسيرا مباشرا لأسباب هذا التراجع، لكنها تشير إلى أن الظاهرة بدأت قبل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي وقبل جائحة كورونا، ما يستبعد أن يكون أي منهما السبب الرئيسي.
في المقابل، تزامن بداية التراجع مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية في أواخر العقد الأول من الألفية، وهو ما دفع بعض الباحثين والمعلقين إلى التساؤل عما إذا كانت القراءة السريعة عبر الشاشات ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي قد أثرا في أساليب التفكير والتركيز.
ويرى الكاتب البريطاني، جيمس ماريوت، أن الانتقال من قراءة الكتب المطبوعة إلى استهلاك المحتوى القصير على الهواتف قد أضعف التفكير المنطقي والتحليل العميق، لأن القراءة المطولة تتطلب بناء أفكار مترابطة واستيعاب معلومات أكثر تعقيدا.
هل أصبح البشر أكثر غباء؟
يشدد الباحثون على أن نتائج الدراسة لا تعني أن البشر أصبحوا أكثر غباء بالمعنى التقليدي، بل تشير إلى أن القدرات العقلية تتغير بمرور الوقت، حيث قد تتراجع بعض المهارات، بينما تتحسن مهارات أخرى، وهو ما يعكس تأثير التغيرات التكنولوجية والثقافية في طريقة تفكير الإنسان.
