مهندسة شهد القاضي
ليس لأن المواطن الأردني قليل الكلام، يعني أنه قليل الوجع.. الصمت هنا ليس علامة رضا، بل مهارة بقاء.. مهارة تعلّمها الناس عبر سنواتٍ من شدّ الحزام، وتعلّموا معها كيف يُخفون الشكوى كي لا تتحول إلى تهمة، وكيف يُجمّلون القلق كي لا يبدو عصيانًا.. في هذا البلد، لا يصرخ الألم؛ يتقن الوقوف بوقار، ويطلب حقه بلغةٍ مهذّبة، ثم يعود إلى بيته محمّلًا بأسئلة لا تجد طريقها إلى العناوين.
الوجع الأردني ليس حدثًا طارئًا، بل تراكمٌ هادئ.. يشبه قطرةً تتلو قطرة، حتى تمتلئ الكأس ولا تُرى لحظة الامتلاء.. هو وجع لا يُقاس بعدد الشكاوى، بل بعدد المرات التي قال فيها المواطن: «سأصبر».. وحين يصير الصبر عادة، يصبح الخطر أن يُفهم على أنه خيار.
في تفاصيل الحياة اليومية، يتكثّف هذا الوجع.. موظفٌ يستيقظ باكرًا ليطارد راتبًا يعرف مسبقًا أنه لن يكفي.. شابٌ يتقن مهارات العصر، لكن الفرصة لا تعترف بإتقانه.. أمٌّ تُعيد ترتيب ميزانية البيت كما تُعيد ترتيب الأحلام: تحذف ما لا يُحتمل حذفه، وتؤجّل ما لا يحتمل التأجيل.. وفي المنتصف، مواطنٌ يتساءل بهدوء: إلى متى نُطالب بأن نكون أكثر مرونة من الواقع؟
لسنا شعبًا يرفض الإصلاح، بل شعبٌ يتقن فهمه.. غير أن الإصلاح حين يُختزل في أرقام، ويُقدَّم بلا سياقه الاجتماعي، يتحول من وعدٍ إلى عبء.. وحين تُصبح لغة الخطاب أعلى من لغة العيش، يتّسع الفراغ بين ما يُقال وما يُعاش.. المواطن لا يخاصم الأرقام، لكنه يسأل عن أثرها.. لا يعارض السياسات، لكنه يفتّش عن العدالة في تطبيقها. يريد أن يرى نفسه داخل المعادلة، لا على هامشها.
الاستفزاز هنا ليس في رفع الصوت، بل في طرح السؤال الذي يُؤجَّل دائمًا: هل يشعر من يضع السياسات بحرارة يومٍ طويل بلا مقابل كافٍ؟ هل تُقاس الكفاءة فقط بسلامة المؤشرات، أم بسلامة الإنسان الذي يحملها؟ هذا السؤال لا يتهم أحدًا، لكنه يرفض أن يبقى بلا إجابة.
المواطن الأردني يعرف حدود القول، لكنه يعرف أيضًا معنى الكرامة.. والكرامة لا تُختزل في الشعارات، بل في قدرة الإنسان على أن يعيش دون أن يُهزم يوميًا بتفاصيل صغيرة.. أن يدفع ما عليه دون أن يستدين كرامته.. أن يعمل دون أن يشعر أن جهده يُستنزف بلا أفق.. أن يخطط للمستقبل دون أن يبدو التخطيط ترفًا.
نحن لا نطلب معجزات، ولا نلوّح بالرفض.. نطلب وضوحًا، ومشاركة، وشعورًا صادقًا بأن العبء موزّع بعدل، وأن الطريق—مهما كان صعبًا—واضح المعالم.. نطلب خطابًا يعترف بالوجع دون أن يُخَوّنه، ويُصغي إليه دون أن يُخدّره.
في الأردن، هناك طاقة صبرٍ هائلة، لكن الصبر ليس موردًا لا ينضب.. حين يُدار بحكمة، يصير قوة.. وحين يُستنزف، يصير صمتًا خطِرًا.. بين القوة والخطر، يقف المواطن منتظرًا إشارة تُطمئنه أن صوته مسموع، وأن وجعه مفهوم، وأن الغد ليس وعدًا مؤجّلًا إلى ما لا نهاية.
هذا مقال رأي لا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يرفض أن يتجاهل الواقع.. رأيٌ يقول إن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى فقط على الهدوء، بل على العدالة، ولا يُصان فقط بالصبر، بل بالشراكة.. وحين يشعر المواطن أنه شريك، يصبح الصبر اختيارًا واعيًا، لا سياسة غير مُعلَنة.
ذلك هو وجع المواطن الأردني: وجعٌ نبيل في لغته، صلبٌ في احتماله، لكنه—إن لم يُقابَل بإنصاف—قد يتحول من صمتٍ مهذّب إلى سؤالٍ لا يقبل التأجيل.
