عندما يُدرس اقتصاد أي مدينة معناه دراسة طريقة حياة الناس فيها أين يعيشون، أين يعملون، كيف يستثمرون، وكيف يتخذون قراراتهم اليومية. وعندما تتراجع قيمة مدينة ما فذلك يعني أن منظومة اتخاذ القرار داخلها غير سليمة .
ومن المؤشرات على قوة أي مدينة اقتصاديا هو سعر متر الأرض فيها. في مدينتنا ( حديثة ) الحبيبة نكتشف فجوة كبيرة عندما نرى أن أعلى سعر للمتر فيها أقل بخمس مرات من أقرب مدينة لها. هذا الفارق لا تفسره الجغرافيا بل يفسره عامل واحد فقط ( الثقة الاقتصادية ) فعندما تنخفض القيمة فهذا يعني ببساطة أن السوق لا يثق بالمدينة.
هذه النتيجة لها جذور واضحة فاقتصاد حديثة اليوم لا يقوم على الإنتاج بل على الدخل الثابت فقط.
المدينة تعيش تقريباً على رواتب موظفيها وبعض الأنشطة التجارية الصغيرة بينما تغيب عنها المشاريع الإنتاجية والمناطق التجارية والقطاعات الحديثة التي يمكن أن تخلق دورة اقتصادية حقيقية. المدينة تستهلك أكثر مما تنتج والمدن التي لا تنتج تبقى قيمتها السوقية منخفضة مهما كانت جودة أهلها وكفاءتهم.
وليس هذا وحده فحديثة بيئة غير جاذبة للمستثمر وهذه مشكلة أخطر حتى من الفقر نفسه بل وحتى طاردة لأبنائها من اصحاب رؤوس الأموال . المستثمر لا يبحث عن الوجوه الطيبة ولا عن الطبيعة الجميلة هو يبحث عن وضوح الإجراءات، سرعة الموافقات، حماية قانونية، بيئة مستقرة بدون تدخل عشائري او مؤسساتي . وفي حديثة الواقع مختلف: ضغوط، تدخلات، بيروقراطية، وفساد صغير قبل الكبير. وهذا كافٍ لجعل أي مستثمر يهرب قبل أن يخطو خطوة واحدة.
ومع هروب المستثمر تهرب معه الفرصة والوظيفة والأمل وتزداد هجرة أبناء حديثة إلى مدن أخرى لأن الشعور بالأمان الاقتصادي هو ما يربط الإنسان بمدينته.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب الرؤية الاقتصادية. المدن تنهض حين تكون لها قيادة تفكر بلغة الأرقام والسوق لا بلغة الإدارة الروتينية والفساد . وحديثة اليوم بلا مشاريع قادرة على تحريك السوق أو رفع قيمة الأرض أو خلق نهضة حقيقية فتبقى قيمتها ثابتة بينما مدن أصغر وأقرب ترتفع قيمتها بسرعة أكبر.
هكذا تتحول المدينة تدريجياً إلى بيئة طاردة: فقر أكبر، بطالة أعلى، فرص عمل أقل، أجور متدنية، وغياب أي أفق للشباب. الأرض لا ترتفع قيمتها، الناس ترحل، المستثمر يتجنبها، والدورة الاقتصادية تدور فقط حول الرواتب. وهذه هي البيئة الطاردة اقتصادياً.
لكن المهم في كل هذا أن الأزمة ليست قدراً، وليست نهاية المطاف.
حديثة يمكن أن تنهض بل يمكن أن تقفز قفزة كبيرة إذا تغيّر أسلوب إدارتها ودخلت مرحلة التفكير الاقتصادي الحقيقي بدل الأساليب التقليدية أو الفاسدة.
الخطوة الأولى ليست بناء مشروع ولا البحث عن ممول بل فهم الأزمة بشكل علمي. وهذا يبدأ بدراسات اقتصادية واجتماعية حقيقية يقوم بها أهل الاختصاص: دراسة للقوة الشرائية، حركة السوق، أنواع المشاريع الممكنة، المواقع الجاهزة للاستثمار، القطاعات القادرة على النمو، وأسباب هجرة الشباب وتغيّر أنماط الحياة. هذه المعرفة هي التي تقود الحلول، لا العكس.
بعد ذلك تأتي المشاريع التي تصنع الفارق: مشاريع كبيرة تغير شكل السوق وتعيد الثقة فأي مشروع يشكل نقطة جذب يمكنه أن يغير الخريطة الاقتصادية خلال أقل من ثلاث سنوات.
ولا يمكن أن يولد أي مشروع في بيئة مرتبكة لذلك يصبح إصلاح بيئة الاستثمار ضرورة لا خياراً: إزالة التدخلات، وضوح التعليمات، وحماية حقيقية لأي شخص يريد أن ينشئ مشروعاً داخل المدينة لأننا كما نعلم جميعا ان ( رأس المال جبان )
حديثة ليست مدينة ضعيفة وليست فقيرة بل هي مدينة تحتاج إلى رؤية جديدة وإدارة اقتصادية نظيفة. وعندما تتوفر الرؤية سيأتي الاستثمار وتعود الفرص إلى أهلها وشبابها .
حديثة يمكن أن تتغير… فقط عندما نقرر أن نغيّر طريقة قيادتها وإدارتها
د. عكاب محمد عبد الفتاح
